اللجوء: صفة اجتماعية أم قانونية؟

0

   „سجن في الهواء الطلق“، هكذا وصف أحمد* حياته التي يعيشها في عمان.

أحمد يتقاضى 150 دينارا عن عمله غير القانوني في محل للألبسة, يدفع منها 120 دينارا أجرة غرفته المتواضعة في منطقة الدوار الثاني في عمان.    

 

رحلة مجهولة المعالم و النهاية

  في عام 2012 من ريف دمشق، وتحديدا منطقة داريا، قررت عائلة أحمد الهرب باحثة عن ملجأ بعيداً عن أصوات القذائف وروائح الغازات المنبعثة من قلب الحرب.

دخلت العائلة إلى الأردن بشكل قانوني، حاملة كل الوثائق التي تثبت الزواج و ميلاد الأولاد ، ليعتاشوا على ما تبقى من مدخراتهم.

بعد ثلاثة أعوام انتقلت أمل* (زوجة أحمد) مع أولادها الثلاثة إلى  ألمانيا.

من الأردن إلى بيروت مروراً ببلغاريا وصربيا حتى ألمانيا، خاضت العائلة مغامرة الجري والاختباء في عمق الغابات وأحيانا السباحة و النوم في العراء، حتى وصلوا لوجهتهم حيث تم استقبالهم من قبل الحكومة الألمانية.

من جهته، لم يستطع أحمد خوض تلك التجربة معهم لظروفه الصحية الصعبة, فهو يعاني من الربو و ارتفاع ضغط الدم المزمن.

رن هاتف أحمد، كانت زوجته وأولاده يحاولون الاتصال به عبر سكايب، دمعت عيناه وطأطأ رأسه، استأذنني و رد على الاتصال، وأخبر أمل أننا نود الحديث معها.

بدت متحمسة وسعيدة، حياتها في ألمانيا أفضل بكثير مما تخيلت.

„كل شيء هنا ممتاز، نمتلك بيتنا الخاص، وابني يعمل في أحد المطاعم المحلية. كل ما ينقصنا هو وجود أحمد بيننا“، قالت أمل.

استطاع الأولاد الثلاثة الحصول على إقامات دائمة، أما أمل فلم تحظ بنفس الفرصة لتخلفها عن موعدها في المكتب الفيدرالي لللاجئين في ألمانيا.

فخلال رحلة البحث عن „الأمن والأمان“ تعرضت أمل لإصابات بالغة أدت بها لدخول المشفى، فحصلت أمل بالتالي على إقامة سنوية  لكنها لم تؤهلها لحمل لقب „لاجئة“ – تبعا لما جاء في اتفاقية 1951 والتعديلات التي طرأت عليها في بروتوكول 1967-.

عدلت ألمانيا صفة اللاجئ وربطتها بشروط أحدها أن يكون النظام القائم في بلد اللاجئ قد هدد المواطن بشكل مباشر، و هذا ما جعل أمل غير محظوظة، فتم إقرار هذا الشرط خلال فترة وجودها في المشفى.

في حالتها فشلت أمل في تقديم طلب لم الشمل لزوجها، فإقامتها مؤقتة، ولم يستطع أولاد أحمد تقديم الطلب كذلك لتجاوزهم سن الثامنة عشر.

– بعد الحرب العالمية الثانية، اضطر العديد من الأشخاص المتضررين على الصعيدين المادي والمعنوي من النزاعات في بلدانهم التنصل من مجتمعاتهم ، و من هنا جاءت اتفاقية عام 1951 لتنظيم وضع اللاجئين في العالم، إلا أن الأردن لم يوقع على هذه الاتفاقية -.

شهد عام 1998، توقيع مذكرة تفاهم بين الأردن و مفوضية اللاجئين، نصت على أن  يقوم الأردن بحماية اللاجئين ويضمن عدم ترحيلهم.

أما في „الملاذ الأوروبي“، ألمانيا و الموقعة على اتفاقية 1951 فتختلف في إجراءاتها عند دخول اللاجئين وتسجيلهم .  

يدخلون بصفة غير شرعية، ليتم تسجيلهم و عمل مقابلات معهم، و بهذا قد يتمكن اللاجئ من الحصول على إقامة دائمة.

و هذا بالتحديد ما كان مستحيلا في حالة أمل بعدما تم تغيير القوانين عام 2016 و تم ربط صفة „لاجىء“ بشروط عديدة.


الأردن وسط „أزمة اللجوء“

  يخوض الأردن بمؤسساته المختلفة مشكلة عدم وجود أرقام دقيقة لأعداد السوريين. فالأرقام المسجلة لدى المفوضية تظهر 650.000 لاجئ

بينما تتحدث الحكومة عن مليون ونصف المليون لاجئ.

رياض صبح، -ناشط في حقوق الإنسان- معلقا:

„طالما قبل الأردن بالدخول الجماعي لللاجئين، فلا يستوجب الموضوع أن يتم تسجيلهم بصفة رسمية“.

  الأردن يعد ثاني أكبر دولة استضافة لللاجئين مقارنة بعدد السكان، إلا أنه ولظروف كثيرة -ليس أقلها شح الموارد والحالة الاقتصادية الصعبة- يدعي الأردن عدم القدرة على توفير فرص عمل ودعم مادي، حتى وإن كان توفير الكهرباء والماء فقط هو جُلّ ما يطلب منه.

يطالب الأردن وبشكل دائم في محافل متنوعة ضرورة التزام المجتمع الدولي بدعم الأردن ماديا ومعنويا ما يعني مشاطرة أعداد اللاجئين.

أما ألمانيا، و التي تبدو الخيار الأوروبي الأمثل للاجئين، فتقف أمام فجوات قانونية تحول دون وجود حلول للحالات الإنسانية، كحال مصطفى.  

مصطفى وهو لاجئ سوري من حلب، حلمه الأكبر أن يجتمع مع عائلته في ألمانيا، و هو حلم قد يبدو بعيدا عن الواقع – على الأقل في الفترة الحالية – في نظرا لإغلاق الحدود الأردنية أمام السوريين، و صعوبة الحصول على تأشيرة دخول لألمانيا.

مصطفى في البداية لم يجد سببا ليسجل في المفوضية. كان يعمل بتصريح مكّنه „العيش الكريم“ كما قال، وذلك قبل أن يفرض الأردن عددا محددا من تصاريح العمل و في مجالات معدودة.

بعد ولادة ابنه الذي تم تشخيصه باضطراب طيف التوحد، اضطر مصطفى للجوء إلى المفوضية للحصول على الدعم المادي لإلحاق ابنه في البرامج التأهيلية المناسبة.

يقول مصطفى أن العامل السوري في الأراضي الأردنية يشغّل المال في الأردن، ولا يشكّل عبئا على الدولة.

و هذا ما أكد عليه صبح، فأضاف أن المخيم يجب أن يكون اختياري و مفتوح لمن يرغب في العيش في تلك المنطقة، فالهدف منه هو الإغاثة، وعندما تجبر الدولة اللاجئ على التواجد في المخيمات المخصصة تتحمل بذلك تكلفته.

وبين مصطفى الذي لن يتمكن من الانضمام من والديه قريبا، و أحمد الذي ختار من الانتظار بضعة أشهر أخرى لتعود العائلة مكتملة من جديد.

„في أمل.. إيه في أمل..“

  محامية عائلة أحمد في ألمانيا، قالت بأن صفة أمل الاجتماعية في ألمانيا لن تتغير قبل شهر مارس 2018 ، حيث سيتم رفع الحظر على من تشابه حالتهم حالة أمل ليتمكنوا من الحصول على إقامات دائمة والتقدم بطلبات لم الشمل.

مما يعني أن أحمد قد يستطيع أن يجتمع مع عائلته بعد أقل من سنة.

 

“ أعيش في جحيم الوحدة منذ أكثر من سنتين، انتظار بضعة أشهر لن يكون بتلك الصعوبة، ستمر الأيام“.

 أنهى بذلك أحمد كلامه مودعا إياني على باب منزله، ليوصده بعد ذلك معلنا عزلته عن المجتمع، ململما ذكريات ما تبقى من فلذات كبده، بل معلنا تحديه للأيام المتبقية.  


* : اسم مستعار بناءا على طلب من الشخصيات لأسباب أمنية.

Comments are closed.