الحَوض المائي المَسلوب

0

„حتى الثمانينيات كانت قطعة من الجنة“، هكذا وصف المكان المدير السابق لسلطة مياه الأزرق (محطة الآبار وشبكة المياه) السيد غسان سعيد.

أكد أيضا أن نوعية المياه في حوض واحة الأزرق نقية جداً وتحتوي على نسبة ملوحة (TDS) تبلغ (400 ppm) وهي نسبة تعتبر مثالية.عمل السيد غسان في سلطة مياه الأزرق لمدة (28) عاماً قضى منها (15) عاماً كمدير لها، حيث كان الحوض من أولى أولوياته دوماً فوجود الواحة والحوض هو أصل علاقته وعائلته الممتدة بالمنطقة لأنها موطن أجداده.

                                                                                                          (*) من داخل محمية الأزرق المائية.

عندما أراد غسان أن يشاركنا قصته، بدأ بقصة أخرى تماماً، وهي قصة حوض الأزرق حيث بدأ ضخ المياه من الحوض في العام (1945) باتجاه منطقة الصّفاوي والتي كانت تسمى حينئذ بمنطقة (H5)* وذلك لوقوعها على ممر خط النفط الواصل من مدينة كركوك في العراق إلى مدينة حيفا في فلسطين من العام (1936) وحتى (1948). في ذلك الوقت بقي منسوب المياه في الأزرق معتدلاً بمعدلاته الطبيعية حتى بداية الستينيات حيث أعيدت عمليات الضخ المستمر من الأزرق باتجاه الشمال (اربد والمفرق) من محطة ضخ المياه:(الكيلو 134)،واستمر الضخ حتى العام (1986).

في بداية سنة (1977) عانت العاصمة عمان من ضائقة مائية واتجه النظر إلى حوض الأزرق من جديد لتبدأ عمليات ضخ المياه إلى عمان وبالتحديد إلى محطة عين غزال. في (15-1-1980) بدأ الضخ من محطة الأزرق الشمالي والجنوبي إلى محطة عمان الرئيسية، وبحلول (2-1-1982) توقف الضخ من منطقة الأزرق الجنوبي فقط. وفي عام (1986) بدأت تقل معدلات المياه المخزونة في الآبار الجوفية وصولاً للعام (1993). عندها أصبحت معاناة المنطقة من الجفاف وتوقف تدفق المياه واضحة جداً مما دعا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى القيام بإنشاء مشروع للحفاظ على الحياة المائية في حوض الأزرق، استجابة لاتفاقية رامسار التي تعتبر الأزرق من الأراضي الرطبة التي تحتل أهمية عالمية، باعتبارها ممراً لهجرة الطيور وموطناً للطيور المائية والحيوانات البرمائية.

وأكد السيد غسان أنه كان لحفر الآبار غير القانونية الأثر الأكبر في تفاقم مشاكل شح المياه والجفاف ونقص مخزون المياه الجوفية، خاصةً خلال العقدين الماضيين، مما أدى بواحة الأزرق (المحمية حالياً ضمن اتفاقية رامسار) إلى أن تعاني من مشكلة الجفاف وملوحة التربة والنقص الحاد في المياه العائمة على سطح الأرض على شكل بحيرات وتجمعات مائية صغيرة. وكان لاستخدام الأنابيب الحديدية في شبكة الضخ القديمة أثر ملحوظ ساهم في عملية هدر المياه، حيث أن الأنابيب الحديدية ذات كفاءة منخفضة في نقل المياه وذلك لسهولة حدوث الصدأ وصعوبة وصل الأنابيب ببعضها ووجود التسريبات. كحل لهذه المشكلة قام الديوان الملكي الهاشمي بصرف منحة لتحسين واقع الخدمات في منطقة الأزرق، وكان من ضمن المنحة مبلغ مخصص لتجديد شبكة نقل المياه واستبدال الأنابيب الحديدة بأنابيب مصنوعة من مادة البولي إيثيلين (HDBE).

إن ترهل البنية التحتية لشبكات ضخ المياه وعطلها سبب الانقطاع المتكرر لوصول المياه إلى المستهلكين، مما زاد اعتماد السكان على شراء الماء من الصهاريج بأسعار مرتفعة وبجودة غير مضمونة. أيضاً فإن زيادة عدد سكان الأردن المضطرد كان له أثر في زيادة الطلب على المياه خاصة في المدن الكبيرة مما تطلب ضخ كميات أكبر من الحوض، وذلك ابتداءً من العام (1948) وحتى الأزمة السورية، ومع أن السيد غسان لا يعتبر هذه الهجرات سببا أساسيا لمشكلة المياه في الأردن الا أنها ساهمت في تضخيم المشكلة.

وفقاً للسيد غسان أيضا فإن منسوب تدفق المياه للحوض خلال السنوات السابقة وصل بشكل تقريبي إلى (30) مليون متر مكعب في العام الواحد، وقد قامت السلطة بضخ ما يقارب 12 مليون متر مكعب سنوياً لمحافظة العاصمة ومدينتي اربد والمفرق.

تقول الدراسة التي أجراها الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) وبالتعاون مع المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا ومنظمة المرأة العربية، إن منطقة حوض الأزرق تحتوي على (12) بئراً تعمل على تزويد الأزرق بمياه الشرب وذلك بمعدل (176.905.97) متر مكعب سنوياً وبواقع استهلاك يصل إلى (1566) لتر يومياً للعائلة الواحدة، أي بمعدل (177) لتر للفرد يومياً، غير أن عدة تحديات، قد ذكرناها سابقاً، كانت قد تسببت في تراجع معدل استهلاك الفرد والأسرة من المياه وارتفاع كميات المياه المهدورة.

                            (*) الصورة مأخوذة من داخل المتحف الموجود في محمية الأزرق المائية.

خبير الأنثروبولوجيا الاجتماعية وائل محمد يؤكد أن عدم توفر رؤية سلوكية مجتمعية واضحة تجاه استهلاك المياه لدى السكان هو الذي أدى إلى عرقلة تنفيذ استراتيجيات وزارة المياه والري وسلطة المياه والتي تهدف للتقليل من حجم المشكلة، إذ أن إدارة الحملات التوعوية لم تستطع الوصول إلى نتائج حقيقية خلال العقدين الماضيين وذلك بسبب استخدامهم وسائل اعتيادية وغير ملفتة للسكان وعدم توظيف أدوات كسب التأييد والإقناع في الحملات، وبالتالي فإن الفرد لم يكن مهتماً بتقديم الجهد في تنفيذ واجباته تجاه المشاركة في حل المشكلة.

إن مجمل العوامل والظروف التي تم الحديث عنها وضعت متخذي القرار أمام اتخاذ الإجراء الأسهل من ضمن عدة خيارات وذلك بسحب مياه حوض الأزرق للمدن الأخرى، وهو الشيء الذي لا يزال سكان الأزرق يعتبرونه عملية سلب للمياه التي كانت تعتبر العنصر الأساسي لازدهار تلك المنطقة، تلك المياه التي كانت السبب الرئيس في درّ كميات كبيرة من الدخل الشهري على السكان بسبب السياحة واستقبال الزوار.

وكاستجابة للوضع المائي الصعب في الأردن قامت الجمهورية الاتحادية الألمانية من خلال وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ)، على مر العقد الماضي بدعم الأردن، وذلك من خلال إبرام اتفاقيات التعاون التي تهدف إلى تحسين الوضع المائي للمجتمع الأردني ومساعدة الجهات المعنية على عمل الدراسات والإحصاءات التي تسهم في عملية تحليل المشكلة وإيجاد الحلول المناسبة لها والقابلة للتطبيق ضمن إمكانيات الأردن وموارده المحدودة.

كان هدف هذه الاتفاقيات التركيز على توفير الأمن المائي للقانطين في الأردن وتحفيزهم على اتباع سلوكيات صحيحة في الاستخدامات اليومية للمياه، مما قد يساعدالمجتمع على التفاعل مع الاستراتيجيات والخطط الرامية للحد من أزمة المياه وزيادة حصة الفرد اليومية من الاستهلاك. ولقد شهدت هذه المشاريع نتائج ملموسة إلا أنها ذات تأثير بسيط مقارنة مع حجم المشكلة، حيث قدمت خلالها الحكومة الألمانية مساعدات مالية قيمتها (282.7) مليون يورو ما بين العامين 2016-2018 كما تعهدت ألمانيا بتقديم دعم مالي إضافي لهذا القطاع الهام بقيمة (134) مليون يورو بحسب التصريحات الرسمية.

أما أبرز الاتفاقيات التي تم توقيعها بين الطرفين الأردني والألماني في عام 2017 فهي منحة بقيمة (39) مليون يورو  لـتزويد المياه وخدمات الصرف الصحي للمجتمعات المستضيفة للاجئين السوريين. إضافةً إلى منحة أخرى بقيمة (700.000) يورو تهدف إلى عقد دراسات في الجوانب المختلفة لاستخدامات الطاقة المتجددة في قطاع المياه، وتأمل الحكومة أن تصل للحلول النافذة بوجود الدعم الألماني خلال خطتها الإستراتيجية النافذة حتى العام (2022).

في المجمل فإن منطقة الأزرق تعاني الأمرين مائياً واقتصادياً، لذا هل على الحكومة التوجه لتنمية المنطقة والتركيز على الخدمات فيها؟ أم هل على المنظمات الدولية تخصيص الدعم المالي بشكل أكبر لهذه المنطقة؟ أم  يجب على أهل المنطقة تحمل البقاء تحت ضغوطات مشكلة المياه حتى تنضب؟

(*) سميت بمنطقة الـ(H5) بسبب تسمية مناطق محددة على طول خط النفط ابتداءً من (H1) وهكذا، حيث أخذ الحرف (H) من اسم حيفا باللغة الإنجليزية.

المراجع الالكترونية:

Comments are closed.