حين يكون الموقع الجغرافي عبئًا

0

الأزرق في الأردن ليس مجرد لون، فهو أكبر الأقضية مساحة في محافظة الزرقاء، أما الأزرق عند الألمان فستكون الكلمة الأكثر تداولًا في الفترة القادمة، كونها المدينة التي ستستضيف 250 جنديًا ألمانيًا، وفقًا لما تداولته وسائل إعلام عالمية في الآونة الأخيرة.

اختارت السلطات الألمانية قاعدة موفق السلطي منتصف عام 2017 بديلًا عن قاعدة إنجرليك التركية، وذلك في ضوء توتر العلاقات الألمانية التركية، يقول محللون إن رفض أنقرة السماح للنواب الألمان بزيارة قواتها كان السبب وراء الانتقال للأردن.

وعلى إثره قدم ما يقارب ال250 جنديًا ألمانيًا، بمرافقة 4 طائرات تورنادو عسكرية لإدارة عملياتهم العسكرية الاستطلاعية من قاعدة الأزرق الجوية، بداية شهر أكتوبر الحالي.

هذه ليست المرة الأولى التي تستضيف فيها الأزرق قاعدة عسكرية أجنبية، فهل أثر ذلك على هذه المدينة الصغيرة؟

لنبحث عن الأجوبة كان لا بد من الزيارة والقليل من جوجل; إذ أن محاولة الحصول على معلومات من جهات رسمية حول أي شيء متعلق بالقاعدة العسكرية هو أشبه بضرب من ضروب الخيال.

يقول جوجل أن الأزرق أبعد المدن عن مركز المحافظة حيث تبعد حوالي (90) كم إلى الشرق، بعدد سكان يقدر ب 15.000 نسمة، وتعد مدينة الأزرق البوابة الرئيسية للمملكة الأردنية التي تربط المملكة شرقًا بدول الخليج العربي والعراق، بالإضافة لاحتوائها على قاعدة موفق السلطي العسكرية الجوية، أكبر القواعد العسكرية الموجودة في الأردن.

أما إذا عزمت وشددت الرحال إلى مدينة الأزرق من العاصمة عمان، فسيترتب عليك قطع مسافة ما يقارب ال100 كم مستخدمًا طريقًا تحيط به الصحراء (الساحرة) من كلا الجانبين,- ولكن احرص أن ترى الصحراء بعيني سباستيان*- .

لن يستغرق الأمر أكثر من ساعة –إن لم تلتزم بالسرعة القانونية-، حتى تصل بمحاذاة مخيم الأزرق للاجئين فيطل عليك من بعيد موحيًا بوحشة اللجوء الذي يعيشه حوالي 32,000 لاجىء سوري، تمتد بعده أذرع الصحراء مرة أخرى لتحيط بك من على جانبي المركبة حتى يقطعها حائط حجري أسود! مُرحِّبًا بك في الأزرق، يتبعه بمسافة قصيرة السور الشائك المحيط بكامل قاعدة الأزرق العسكرية الجوية، حيث يُمنع التمهل أو التوقف.

ومن المفضل أن تهرول السيارة مبتعدة حتى لا يعتقد أي مراقب أن لديك فضولًا في معرفة ما يجري على الجانب الآخر من السور.

ها هو الأزرق أخيرًا! لوحة زرقاء عملاقة على جانب الطريق تبين أن العراق يبعد 235 كم، والسعودية 55 كم، وأن 5 كم تفصلك عن بلوغ الأزرق.

ها نحن على مفترق طريق دولية.

إشارة (الجنوبي) هي علامة على وصولك لمدينة الأزرق الحيوية، سيأخذك المسرب الأيمن منها باتجاه منطقة الأزرق الجنوبي، نحو عدد من المحال التجارية.

السيد رائد أحمد – 46 عامًا –
سكان الأزرق الشمالي
السيد رائد، البالغ من العمر 46 عامًا، المالك لاستثمار محل (السعادة)** للأغذية التموينية منذ عام 2003 –لم يعد سعيدًا بعد اليوم-، يأخذنا معه في رحلة التفاوت الاستثماري التي شهدها طريق العمري متأثرًا بالظروف الإقليمية.

حيث كان محل السيد رائد، بحسب قوله، مشروعًا استثماريًا ناجحًا تصل “يوميته” إلى 150 دينار، وعزا ذلك إلى كثافة الحركة السياحية من المعابر السعودية باتجاه سوريا مرورًا بطريق العِمري، حيث اعتاد على استقبال ما يقارب ال40 شخصًا في اليوم الواحد.

منذ إغلاق المعابر الحدودية السورية في ال2015، شهد السيد رائد تراجعًا في أعداد الزبائن القادمين من دول الخليج، الذين أصبحوا يتوافدون إلى أسواق عمان الكبرى منفقين في 3 أيام ما اعتادوا إنفاقه في سوريا في شهرٍ واحد، الأمر الذي بدوره جاء مصاحبًا لتراجعٍ في الدخل اليومي -الذي في أفضل الأحوال- قد يصل إلى 30 دينارً فقط لا غير.

تخيلي لما مطلوب منك ألف و200 دينار بالشهر ما عم يدخل عليك غير 200 دينار بالشهر

حال السيد رائد وإن أحاطتها ظروف عجز كمديونيته للبنوك التي بلغت 120 ألف دينار، إلا أنه يرى أن أصحاب الاستثمارات التجارية بحال أفضل بكثير مقارنة بعامة الناس هناك والتي قد دفع بها الحال إلى عجزها عن توفير قوت يومهم من مأكل ومشرب.

وبالطبع حال أصحاب المحال التجارية في منطقة الأزرق الشمالي لا يختلف عن حال من هم في المنطقة الجنوبية، حيث طالها الأثر بطريقة مشابهة نتيجة اعتمادها على طريق بغداد الواصل بينها وبين الحدود العراقية، التي تأثرت بأحوال المنطقة بداية من عام 1990، وانتهاءً بإغلاق المعابر نتيجة لتمكن حركة داعش من المداخل الحدودية العراقية القريبة من الأردن، الذي بدوره دفع الأردن لاتخاذ موقفٍ دفاعيٍ بعدم السماح لداعش بالدخول.

بمنحة “كريمة” من نوعها، تقرر في سنة 2014 البدء بمشروع إعادة إنشاء وتأهيل طريق الزرقاء/الأزرق/العمري، حيث يقدّر كرم المنحة الخارجية السعودية بما يقارب ال15 مليون دينار، لبناء طريق جديد خارجي، يحمل معه إمكانية توجيه “ضربة قاضية” للحركة الاستثمارية داخل مدينة الأزرق، ضربة قد تحمل إزدواجية معايير السيد هاني، أحد المتعهدين العاملين مع الشركات الأردنية المساهمة.

فامتلاك السيد هاني لمطعمي “القلعة، وأبو شادي” في الأزرق الجنوبي، دفعه لتبني وجهة نظر يرى فيها إعطاء الطريق الخارجي سلطة الحاكم الجائر الذي قد يحكم بالإعدام على ما بقي من الأزرق.

يكمن السبب وراء بناء الطريق الجديد، كما أوضح هاني، تحقيقًا لرفاهية سلامة المواطن السعودي، رفاهية دُفع ثمنها أرواحًا سُلبت على ما عُرِف يومًا ب”طريق الموت”، الذي أعاد الحياة جزئيًا للحياة الإقتصادية في الأزرق المعتمدة على طريق العمري، إلا أن المنحة قررت أخذ ذلك الامتياز ووضعه ضمن مشروع طريق خارجي، ينأى بوجهه مبتعدًا عن الداخل الأزرق، مسببًا “موتًا بطيئًا” لما تبقى من الحركة التجارية.

أما السيد رائد، فإنه يرى أن منطق اختيار الطريق الخارجي غرب القاعدة العسكرية طبيعي عوضًا عن المرور بالطريق الداخلي عبر الأزرق، ففي ذلك توفير 20 كم اختصارًا للوقت الذي تباطأت عقاربه، أمام ضبابية المنفعة العائدة.

يبدو أن خبر قدوم 250 جنديًا ألمانيًا إلى قاعدة الأزرق العسكرية -ضرب غماز وتجاوز- عن السيد رائد –من عاليمين-، الذي بدوره لاحظ وجود العنصر الأجنبي الخامل عادة، آملًا بنشاط هذا العنصر على شكل اهتمام خارجي مساهم بتنمية مدينة الأزرق، لأن فرص الاهتمام الداخلي باتت معدومة، حيث يرى أن وجود القاعدة العسكرية لم يساهم بتنمية الأزرق على الإطلاق، بل جاء ذلك مصاحبًا لضوضاء يومية ناجمة عن الحركة المستمرة للطيران العسكري.

في الأزرق! ليس بالضرورة أن يكون للمنصب العام الذي تشغله علاقة  بمدى معرفتك بالأمور المحيطة في منطقتك، فالسيد مروان اسعيد، رئيس بلدية الأزرق الحالي، لم يعلم بقدوم جنود ألمان، إلا عن طريق الصدفة، حيث تمثلت هذه الصدفة بسؤاله أحد الأشخاص عن طبيعة عمله، فأوضح له بأنه يعمل في بناء قاعدة عسكرية لجنود ألمان في قاعدة الأزرق المجاورة.

يعزي السيد مروان ذلك؛ لحقيقة عدم تدخله في الأمور العسكرية والسياسية؛ وقال:”وجود قوة أجنبية على الأراضي الأردنية متعلق بمصلحة الوطن والمواطن، وهذا يعود لدرجة وعي القيادة الهاشمية”.

إلا أن الأمل المعقود في ذات الوقت متمثل باهتمام تنموي يليق بمستوى القواعد الموجودة في المنطقة، فالسيد مروان على تضاد مع فكرة “تبوتق” القاعدة العسكرية حول نفسها، وانعزالها عما يحدث في المجتمع المحلي.

يرى السيد مروان أن كل شيء في مدينة الأزرق مهيء لتشجيع عجلة التجارة، يصطدم بواقع نسبة البطالة، بلغت في الآونة الأخيرة 35% من إجمالي القادرين على العمل، لكن ذلك لا يخفي حقيقة قابلية الأزرق من ناحية الموارد على تطبيق مشاريع استثمارية متعلقة بالسياحة العلاجية، اعتمادًا على المياه المعدنية في الأزرق، أو في مجال الطاقة المتجددة، والتي تشجعها طول الفترة الزمنية لتعرض المنطقة لأشعة الشمس التي قد تصل حرارتها ل50 درجة مئوية تناسبًا مع طبيعة المنطقة، ناهيك عن قدرة الأحواض المائية على تغذية نفسها بنفسها -وذلك فقط- إن أراحت الحكومة خناق السحب الجائر لمياه الأزرق تجاه العاصمة ومحافظات الشمال.

في ظل الوضع الحالي; السعودية بمنحها الكريمة للبنية التحتية، قاعدة الأزرق الجوية والتحالفات الأمنية العسكرية، الأراضي السورية والعراقية باختلاف ظروفها الداخلية، أين تقع مصلحة مجتمع الأزرق المحلي من هذا السياق الدولي؟

مشروع الطريق الجديد –
متوقع افتتاحه بداية عام 2018

*سباستيان: الزميل الصحفي الألماني طويل القامة، عند رؤيته الصحراء للمرة الأولى.
** اسم مستعار.

أمل الهدهد، تعمل كصحفية مستقلة مع شبكة أريج للصحافة الإستقصائية، شخص انطوائي نوعًا ما، برغبة قوية تجاه تجربة الأشياء الجديدة، ومقابلة الغرباء، تجد نفسها أكثر قليًلا في أماكن مختلفة. أؤمن أن كل حياة مهمة، ولكل شخص قصته الأصيلة التي تستحق المشاركة.

Comments are closed.