برامج التعليم الأجنبية، لمن؟

0

“لمّا تشتغل ضمن بيئة احترافية في ألمانيا، ذات معايير مهنية عالية، والناس تقدرّك على اللي بتعمله، وأنت في مرحلة الدراسة لسا، وترجع تشتغل في بلدك وتلاقي عُشر التقدير اللي تعودت عليه، بتسأل حالك ليش ما أرجع برا؟”.
هذا ما قاله فهد واصفاً الصدمة التي تصيب طلاب الجامعة الألمانية بعد العودة من تجربة التبادل الطلابي، والتدريب العملي في ألمانيا للمرة الأولى، أو بعد الحصول على وظيفتهم الأولى في إحدى المؤسسات المحلية. “أنشئت الجامعة الألمانية كجسر ثقافي لتبادل العقول بين البلدين” هكذا يرى الدكتور محمد أبو غزلة مدير التخطيط والبحث التربوي السابق في وزارة التربية والتعليم الدور الذي صممت الجامعة لأجله.

(فهد، 27 عاماً، تخرج في الجامعة الألمانية عام 2013 من تخصص المحاسبة الدولية، عمل في ألمانيا لبضعة أشهر بعد إنهاء مدة ساعات التدريب المعتمدة من الجامعة، يعمل الآن في إحدى الشركات العالمية الفاعلة في قطاع تكنولوجيا الاتصالات من مكتبها في عمان)

هل الجامعة ما زالت جسراً ثقافياً بين البلدين؟ أم أن الجسر أصبح بمسرب واحد فقط؟

ثلاثون بالمئة من إجمالي الخريجين، لم يفعلوا ما فعله فهد، لم يعودوا إلى المملكة، بل اختاروا إما العمل أو إكمال الدراسة خارج المملكة، وفقاً لبغيتا كيلا مديرة مكتب الارتباط للقطاع الصناعي في الجامعة الألمانية، نصف هؤلاء الطلبة ذهب إما للعمل أو إكمال الدراسات العليا في ألمانيا، ونصفهم الآخر ذهب للعمل أو الدراسة في بقع جغرافية أخرى من خريطة العالم، تركزت حول دول الخليج وأوروبا.

تقوم الجامعة بتأهيل طلابها على أعلى المستويات الأكاديمية، وتستخدم البرامج الألمانية التطبيقية، حسب الخبير التربوي د. أبو غزلة، لكن هل الأمر برمته يدور حول مستوى البرامج الأكاديمية مُقاسةً حسب المعايير الدولية فقط؟ ربما علينا هنا التساؤل حول مدى مواءمة البرنامج الألماني لمتطلبات السوق المحلي، فهل هذه الكفايات التي يتلقاها الطالب تنسجم مع بيئة العمل في المملكة؟

عندما عاد فهد للعمل في المملكة حاول تطبيق ما تعلمه في تجربة التدريب في ألمانيا، لكنه وجد الأمر صعباً في ظل البيروقراطية الموجودة على حد سواء في القطاعين العام والخاص، د. محمد أبو غزلة يقول “إن البيئة الناظمة للعمل والتشريعات الإدارية المتبعة في تنظيم العمل في المملكة، سببين من جملة أسباب تدفع الشباب ككل للهجرة، لمَ تفرضه من قيود تحد من إنتاجية هذه العقول، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي الصعب الذي تشهده البلاد”. الأمر الذي أيده أيضاً د. فاخر دعاس منسق الحملة الوطنية لحقوق الطلبة “ذبحتونا”، وأردف حول الأسباب المتعلقة بهجرة الشباب، خاصة أولئك الذين تلقوا برامج تعليم أجنبية قائلاً: “العقلية الألمانية جزء من العقلية الغربية فهي معنية باستقطاب العقول الشابة، عن طريق تخييرهم بين مستوى الحياة الرغيدة في ألمانيا، وحياتهم في المملكة ومستقبلهم الذي يحمل العديد من علامات الاستفهام هنا، ما يجعلهم يختارون العودة لألمانيا عادةً”.

المنح الأجنبية وسيلة للتطوير؟ أم أداة للتهجير

وحول اعتماد البرامج الأجنبية من قبل وزارة التعليم العالي، يقول د. أبو غزلة : “على مجلس التعليم العالي إعادة النظر في منح تراخيص البرامج التعليمية الأجنبية والاتفاقيات المتعلقة في قطاع التعليم بين الأردن والدول الأخرى، لأن المنح أصبحت المدخل الأمثل لاستقطاب الطلبة المتفوقين للخارج، وأن على الدولة محاولة دمج الطلبة ذوي الكفاءات العالية في القطاع العام”، أما من وجهة نظر د.دعاس فإن مثل هذه البرامج الغربية في ظاهرها تسعى لخدمة مصلحة الدولة المضيفة، لكنها في الحقيقة تعمل لخدمة الأسواق الغربية، عن طريق استقطاب الطلبة للعمل في هذه الدول، أو طرح تخصصات معينة مع ضمان فرص توظيف في بعض الشركات العابرة للقارات وفروعها في الدول المضيفة، ما يكفل للخريجين الأمن الوظيفي، أحد المغريات الأخرى للعمل هناك.

من الجدير بالذكر أن ألمانيا واحدة من أكثر الدول التي تعمل على توظيف الطلبة الأجانب، وتقول دراسة أجراها مجلس خبراء المؤسسات الألمانية إن 80% من أصل 300 ألف طالب أجنبي كانوا يدرسون في ألمانيا في العام 2015 قالوا إنهم يرغبون في البقاء في ألمانيا وبناء حياتهم المهنية فيها، كما يتوقع مكتب الإحصاءات الألماني انخفاض القوى العاملة في ألمانيا بمعدل ستة ملايين خلال 15 سنة قادمة، ما يدلل على حاجة السوق الألماني لأيدي عاملة شابة وماهرة.

“كنت مصر إني اشتغل بالأردن، لكن للأسف أنا بعد ثلاث سنوات صرت مصر إني أرجع أطلع على ألمانيا، مشان أتعلم أكثر، وانخرط بالمجتمع الألماني أكثر، بعدها بقرر بدي أرجع على عمان ولا لا” فهد

دعاس: الجامعة غير معنية بالتعليم في المملكة

تقول بغيتا كيلا إن الجامعة الألمانية الأردنية صممت للطلبة من الطبقة الوسطى في المجتمع الأردني، ويرى د. دعاس أن الجامعة ليست للطالب الفقير وليست لطلبة الطبقة المتوسطة الدنيا، الجامعة للطبقة المتوسطة العليا أو للأثرياء؛ لعدة أسباب منها: تكاليف سنة التدريب الإجبارية في ألمانيا تصل إلى 10000 دينار أردني تقريباً، وليس من الممكن للأسر متوسطة الدخل توفير مثل هذا المبلغ بسهولة، وعند الحديث عن تكلفة الساعة المعتمدة في الجامعة مقارنة بالجامعات الحكومية الأخرى فإن أسعار الجامعة الألمانية تفوق سعر الساعات المعتمدة في الجامعة الأردنية مثلاً لبرنامج القبول الموحد بما يقرب الثلاثة أضعاف، أما عند مقارنتها بالبرنامج الموازي فإنها تكاد تساويها تقريباً، أما عند مقارنتها بالجامعات الخاصة فإنها تكاد تتفوق عليها أحياناً.

سألنا د. فاخر عن أثر مثل هذه الأسعار على النظام التعليمي على المدى البعيد، وقال: “الجامعة غير معنية بالتعليم في المملكة، هي معنية بنخبة الطلاب، ما يعزز الطبقية في التعليم، ويرسخ الفجوة بين المتعلمين على البرامج الحكومية والبرامج الأجنبية”، أي الذين يتحملون كلف التعليم على البرامج الأجنبية والذين لا يتحملون ذلك. أما مدير قسم العلاقات العامة في الجامعة منير بني يونس يقول: “إن الجامعة نخبوية، فهي تستهدف النخبة من طلبة المملكة، لكنها تتيح الفرصة لعدة فئات للتعلم، فلدينا طلبة يدرسون على حسابهم الشخصي، وآخرون يدرسون بواسطة مكرمة أبناء المعلمين، أو مكرمة أبناء العاملين في الجيش، أو المكرمة الملكية السامية “، ما يسهم من وجهة نظري في تعزيز النخبوية.

جامعة حكومية خارجة عن قانون الجامعات الأردنية!

الجامعة الألمانية تعمل وفق قانون مخصص لإدارة شؤونها فقط يسمى بـ”قانون الجامعة الألمانية الأردنية”، فهي تتميز عن باقي الجامعات التابعة لـ “قانون الجامعات الأردنية”، ترى ما الغاية من ذلك؟ يقول د. دعاس

حول فكرة إنشاء الجامعة يقول د. دعاس: “بدأت الفكرة باقتراح من الحكومة الألمانية؛ بعد تراكم الديون الألمانية على الأردن، وكان المقترح هو سداد الدين عن طريق إنشاء جامعة تحت مسمى الجامعة الألمانية الأردنية في الأردن، عن طريق تخصيص مبلغ سنوياً من قبل الحكومة، من ضمن المبلغ المخصص للدعم الحكومي للجامعات، بدلاً من الموازنة العامة للحكومة، كمحاولة لسداد الدين عن طريق هذا المشروع.

“الطالب اللي معه فلوس هو الطالب الأكثر قدرة على تحصيل علم أفضل، بنية تحتية كويسة، خدمات لوجستية كويسة، وبالتالي هو القادر على تحصيل علامات أفضل، ومن هنا تستقطبه الجامعة الألمانية الأردنية، وبالتالي هي تستقطب نخبة المتعلمين، وهنا خطورة الموضوع، أنت بتودي طلابك لجامعات استثمارات غربية، ليس لها هدف وطني وهذا حقها، فيصبح المشروع الوطني ليس ذو أولوية، وتحل مكانه أجندات المانحين”

Comments are closed.